كل المقالات بواسطة enasalmansuri

أستاذة جامعية فى تخصص التاريخ القديم ، أفضل أجراء ابحاث حول الهوية الوطنية لبلدى ، و الكتابة التوثيقية حول تاريخ النساء الليبيات ، وعن عالم الكتب ، كذلك الكتابة حول الموسيقى العالمية (الكلاسيكية، فن الأوبرا، عروض الباليه) و التجارب الموسيقية الجديدة البعيدة عن الإنتاج التجاري، وعن التدوين حول عالم البحر و الآثار الغارقة، والفن التشكيلي .

زعيمة الباروني: رائدة الأدب النسائي في ليبيا

imagesولدت السيدة زعيمة في جادو احدى قرى جبل نفوسة سنة 1910م، وتلقت دراستها الابتدائية باللغة التركية في اسطنبول (1) حيث نشأت في أسرة تهتم بالعلم، أسرة سليمان باشا الباروني (2).

تعلمت القراءة والكتابة فتنبهت في نفسها الرغبة في المطالعة والدراسة العميقة (3) وعاشت مع والدها سنوات طويلة في المهجر استطاعت خلالها أن تتلقى قدراً من التعليم المنظم، وقد وجدت بالاضافة الى ذلك مكتبة والدها الغنية بكل أنواع المعارف، فقرأت واستوعبت وتفتحت موهبتها وسط مناخ علمي لم يكن متاحاً لغيرها من النساء في بلادها (4) ثم استكملت دراستها باللغة العربية بعد العودة من تركيا إلى ليبيا (5) بعد ان عاشت مع والدها المناضل حياة التشرد والنفي بعيداً عن ارض الوطن، حيث شاركته تنقلاته بين الاقطار العربية، ثم رجعت الى بلادها في اواسط العام 1947م حيث استقر بها المقام في طرابلس بعد وفاة والدها 1940م (6) حيث عينت في سنة 1950 م مدرسة بالمرحلة الابتدائية (7).

ولعل دخول السيدة زعيمة الباروني ميدان الكتابة والنشر من العلامات البارزة التي سجلتها فترة الخمسينات، فقد اطل عام 1955م ليمنح المشهد الثقافي الليبي انتاجا لامعا قويا رفيع المستوى خطته أنامل هذه السيدة الاديبة ابنة الوطن، فهي تنشر في شهر فبراير قصة (فزان البعيد)، وتوالت قصص السيدة زعيمة في مجلات وجرائد ليبية متنوعة منها صوت المربي، وجريدة طرابلس الغرب، وهي تتحدث عن ما لاقته في هذا الامر من صعوبات، اذ تقول السيدة زعيمة عن ذلك: “لا ادرى بماذا أقدم موضوعات كتبتها منذ سنة 1953م في بلادي، ونشر منها ما نشر في جريدة “طرابلس الغرب”، ومجلة “صوت المربي”، ومجلة “هنا طرابلس الغرب”، ولم تساعدني الظروف القاسية من كل جهة على نشرها مجتمعة في كتاب” (8). وقد استطاعت التغلب على مصاعب عدة من اجل نشر كتابها تحت اسم “من القصص القومي” في سنة 1958م والكتاب عبارة مجموعة قصص هي مزيج من التاريخ والاسطورة في اسلوب لا يخلو من روعة ورشاقة (9).

ولم يلق الكتاب الذي قامت بطباعته على نفقتها الخاصة عند صدوره التعليق الذي يستحقه من النقد او النقاد، باستثناء محاولة يتيمة من الكاتب محمود الفساطوي بجريدة الرائد، في معرض حديثه عن قضية المرأة في ليبيا، في مقالة بعنوان “القصص القومي وأنصار المرأة”، فهو لم يتعرض لنقد المجموعة من الناحية الفنية أو من ناحية المضمون، فما لفت انتباهه الى الكتاب هو وجود ادب نسائي لم ينل اهتماما كافيا، رغم ما يوضع امام المرأة الليبية من عقبات وقيود، معتبرا الكتاب بداية مباركة لمستقبل أدبي عظيم (10).

اما الاديبة شريفة القيادي ففي دراستها التوثيقية للكتابة النسائية الليبية “رحلة القلم النسائي الليبي”، فتشير الى ادب السيدة زعيمة بأنها حاولت احياء الشخصية الليبية بكل ابعادها، فالكاتبة تتوقف عند كثير من التفاصيل في وصف الأزياء والعادات والتقاليد الليبية حتى وان اساء ذلك للناحية الفنية في بعض الاحيان (11).

وهناك من يرى ان السيدة حميدة العنيزي هي الوجه التنظيمي للحركة النسوية الليبية، فإن السيدة زعيمة الباروني هي الوجه الثقافي لهذه الحركة (12).

فقد برزت في فترة الخمسينيات (المرأ قضية تنمية ووعي)، تـحت شعار (الـحجاب والسفور)، أي ثنائية الـحداثة والأصالة. مـحور الـجدل الدائر آنذاك، والذي لـم يتوقف. كان هذا الـجدل رجالـي الطابع فيما كانت المرأة تدخل مُعترَك الكتابة والقضايا الاجتماعية، فالسيدة زعيمة الباروني تكتب قصصها وتوقِّع بـ (بنت الوطن)، دون اهتمام مباشر بالـجدل الدائر، وكأن السفور عندها هو حالة الكتابة ذاتها، فالعرقلة نصيب كتاب (زعيمة البارونية) (13) فكان لا بُدَّ من الـحذر وترك القصص بدون أسـماء، فالسيدة زعيمة تشير للاهمال الذي لحق بكتابها، والسبب في ذلك صاحب المكتبة الذي تعهد ببيعه فركنه في زاوية داخلية بالمكتبة فلم يلتفت اليه احد” (14) (طُبِع هذا الكتاب فـي زمن غير زمن أهله، فكان نصيبه من الإهمال بل وفالعرقلة نصيب صاحبته (زعيمة البارونية)، فكان لا بُدَّ من الـحذر وترك القصص بدون أسـماء، وغيره”. زعيمة البارونية (بنت الوطن) (15).

وكانت إسهامات زعيمة الباروني غزيرة ومتعددة، كتبت المقالة الصحافية والاجتماعية، وهي أحيانا تخوض معركة من معارك الكلمة او تنبه إلى قضية من القضايا وبين الفينة والاخرى كانت تعرج على الادب فتكتب قصة أو خاطرة أدبية تظل مشحونة بكل همومها وإحساسها بوطأة الظروف القاسية التي كان يعيشها الإنسان في وطنها (16). و كانت مقالاتها تفيض سحراً وبهاءً تهز القلوب والعقول حيث شاركت في مختلف الصحف والمجلات مثل مجلة (صوت المربي) الطرابلسية ومجلة الأفكار (17). مركزة اهتماماتها منذ البداية على قضيتين رئيستين أولاهما تربية النشء تربية سليمة بما يحقق ذاته ويصون أمجاده وتاريخه العريق ويحقق طموحه في ارتياد التقدم، والأمر الثاني هو حفظ تراث المجاهدين الذين ضحوا في سبيل هذا الوطن ومن جملة ذلك حفظ تراث والدها (18). ولها مراسلات قيمة في مثل هذه الشؤون العامة مع أخيها تدل على مبلغ علمها وثقافتها وأخلاقها وإخلاصها لمبدأها، امتازت هذه السيدة الفاضلة بأسلوبها القصصي الشيق، الخفيف الروح (19).

كما أخرجت زعيمة للمكتبة الليبية مجموعة من الكتب منها كتاب صفحات خالدة من الجهاد الليبي للمجاهد سليمان الباروني، جمع وترتيب زعيمة سليمان الباروني، وديوان (السيف الوقاد) تأليف إبراهيم بن قيس الحضرمي تحقيق زعيمة الباروني، وهو كتاب يتحدث عن مفاخر العروبة والاسلام (20). فمن وجهة نظر السيدة زعيمة الباروني ضرورة الاستفادة من كتب التراث ذاكرة ذلك للاديبة لطفية القبائلي في مقابلة معها في مجلة البيت في العام 1969: “نصيحتي لهؤلاء الشباب ان يستفيدوا من كنوز الادب القديم ويفهموا ويطبقوا ويجربوا” (21).

وكانت السيدة زعيمة متعلقة بوالدها سليمان الباروني تعلقا كبيرا، وترك ذلك اثر عميق في حياتها، فمن ضمن مؤلفاتها (أبي كما عرفته) وهو كتاب عن حياة والدها سليمان باشا الباروني، وورثت زعيمة الروح الفدائية عن والدها العظيم، واختارت لنفسها حياة الانقطاع من أجل عملها ووطنها ومن أجل أبناء أخيها إبراهيم فلم تتزوج، وبذلت الوقت والجهد لتربية أبناء أبناء أخيها إبراهيم فكانت تقول: (إني أعاهد الله أن أبذل جهدي في تنشئة أبناء أخي التنشئة التي أرادها لهم جدهم المرحوم الوالد الباشا ولو كلفني ذلك آخرة قطرة من دمي) (22).

كانت مع قيامها بشؤون الأسرة وأبناء أخيها إبراهيم (23) كانت معلمة ببعض مدارس البنات بطرابلس، لحسن سيرتها وكمال استعدادها أصبحت نائبة لمديرة دار المعلمات بطرابلس، كما تقلبت في الوظائف التربوية فاشتغلت مفتشة فرئيسة مكتب محو الامية (24).

كما كانت من العضوات المؤسسات لجمعية النهضة النسائية في طرابلس سنة 1958م، حيث شاركت من خلالها في مؤتمرات خارج ليبيا تهتم بقضايا المرأة منها، مؤتمر المرأة الأفرو آسيوية بالقاهرة سنة 1960م، برفقة السيدة حميدة العنيزي رئيسة جمعية النهضة النسائية ببنغازي (25).

وتذكر السيدة زعيمة عن رأيها في الجمعيات النسائية الليبية ومنها جمعية النهضة النسائية بطرابلس، “انها تحاول جميعها تحاول ليس اكثر، فبالنسبة لجمعية النهضة النسائية في طرابلس، لها محاولات لا بأس بها، ولكن تغيير الرئيسة دائما يربك سير الجمعية، لان كل رئيسة جديدة لها تخطيط غير الذي وضعته الاولى، وهذا الامر يجعل الجمعية تحبو بعد أن كانت تمشي، لتعدد الخطط وتعدد البرامج، وقلة التنفيذ، ولكن اجماليا ارى أن كل محاولة نسائية يجب ان تقابل بالتشجيع طالما ان غايتها سليمة، وأهدافها بناءة ” (26).

وربما السيدة زعيمة انسحبت من نشاط الجمعية في فترة ما من حياتها، وذلك لوجهة نظرها المذكورة أعلاها، على الرغم من اعادة تقييم التجربة النسائية الليبية من جديد في استطلاع اجرته مجلة المرأة الجديدة بعد تغير نظام الحكم في ليبيا عام 1969م، مع مجموعة من السيدات الفاعلات في تلك الجمعية ومنهن السيدة زعيمة، فذكرت: “رغم معاصرتي للحياة في بلادي من قبل الاستقلال، ورغم انتسابي لجميعة النهضة منذ تأسيسها في طرابلس وصداقتي مع جميع العاملات ومحبتي لحركة المرشدات، فإن ظروفي الخاصة لم تساعدني مع الاسف على العمل المستمر معهن ولهذا لا أخول لنفسي الحكم على مسيرة هذه الجمعية او تقييم اعمالها، فإلى من كن مسئولات حقاً، الرأي تبنى على الصحة وتنبع من النزاهة وشرف القصة ” (27).

كما كانت من ضمن المشاركين في مؤتمر الكتاب والأدباء الليبيين المنعقد ببنغازي في فبراير سنة 1973 (28).

بالاضافة لعدم توقفها عن الكتابة في المجلات والجرائد فقد كتبت في احدى اعداد مجلة المرأة مقالاً ضمنته تهنئة حارة إلى خريجات إحدى الكليات العلمية في بلادنا في أسلوب أدبي رفيع مع اعطائهن النصح والارشاد، كما أنها كانت ترى رغم الاصوات الرافضة لفكرة وجود أقلام نسائية ليبية فمن وجهة نظرها أن الواقع عكس ذلك، “أن الابداع أو الخلق الابداعي يبدأ بالتدريج إلى أن يأخذ مكانته اللائقة، وهكذا أدبنا، وعدم الاعتراف بوجود أدب نسائي من شأنه أن يحطم آمال الطبقة الناشئة من الكاتبات ويغلق الابواب أمامهن، ويجب ألا نقارن أدبنا بأدب البلدان التي سبقتنا، والمفروض أن نبني على ماضينا إلى أن يخرج لنا انتاج طيب” (29).

توفيت يوم الاثنين 10 مايو 1976م (30) حيث نعتها الاديبة لطفية القبائلي في مجلة البيت الصادرة سنة 1976 : “لوعنا بنبأ وفاة المربية والأديبة زعيمة الباروني، أول من حمل القلم من النساء في بلادي، أول من تصدرت مطبوعاتها المكتبة الليبية كمؤلفة وأديبة ومؤرخة، إنها الابنة البارة، المرأة الوقورة دائما، المتدينة دائماً، أتخيلها بصوتها الخافت حتى ليصل إلى الهمس، أتخيلها الآن وهي تنصحنا في ساحة المدرسة: إياكن يا بناتي والبعد عن كتاب الله، إياكن وتضييع الوقت، أطعن والديكن دائماً، لا تبخلن على آبائكن بجهد، لا تهملن في إدارة البيت، فالفتاة الناجحة هي التي تنجح في الميدانين حتماً بيتها وعملها” (31) ملخصة حياة رائدة حقيقية ذات نظرة تقدمية في ما يخص حرية المرأة وتعليمها وتثقيفها، ومناضلة سياسية ساهمت في حفظ جزء من التاريخ الليبي من خلال وثائق والدها.
————————–

1- دليل المؤلفين العرب الليبيين، طرابلس، دار الكتب، أمانة الاعلام والثقافة، 1977، ص137:138. 2- سليمان باشا الباروني (ولد سنة 1870م) في مدينة جادو (فساطو) بليبيا، مجاهد ليبي حارب الإيطاليين و كان من أهم السياسيين الليبيين في تلك الفترة ساهم في تأسيس جمهورية في الغرب الليبي تحت اسم الجمهورية الطرابلسية. كما اسس المدرسة البارونية بمدينة يفرن بليبيا وأسس بمصر عام 1906م (مطبعة الأزهار البارونية)، وفي عام 1908 م أصدر جريدته التي أسماها (الأسد الإسلامي). رجع إلى ليبيا وقاد معارك الجهاد ضد الغزو الايطالي من الفترة 1911م حتى 1916م حين عين والياً على ليبيا ثم اعلن أول جمهورية في العالم العربي تحت اسم الجمهورية الطرابلسية، سنة 1919م اعتزل العمل السياسي بعد اعتراف إيطاليا المزيف بالحكومة الوطنية الليبية.وفي عام 1922م أجبرته السلطات الإيطالية على مغادرة طرابلس فتنقل بين تركيا و فرنسا محاولا العودة إلى ارض الوطن ولكنه منع، واستقر به المقام في سلطنة عمان سنة 1924 حيث عمل مستشارا لدى الإمام محمد بن عبدالله الخليلي إمام عمُان وظل بها حتى وفاته عام 1940م في الهند أثناء رحلة علاجية من مرض المالاريا.
3- بدرية بنت حمد بن خليفة الشقصية / زعيمة البارونية / شبكة اهل الحق والاستقامة).
4- الطاهر بن عريفة، أصوات نسائية في الأدب الليبي، طرابلس، دار الحكمة، ط1، 1998، ص 12.
5- دليل المؤلفين العرب الليبيين، طرابلس، دار الكتب، أمانة الاعلام والثقافة، 1977، ص137:138.
6- الطاهر بن عريفه، مرجع سابق، ص12.
7- دليل المؤلفين العرب الليبيين، طرابلس، دار الكتب، أمانة الاعلام والثقافة، 1977، ص137:138.
8- الطاهر بن عريفه، مرجع سابق، ص 15.
9- شريفة القيادي، رحلة القلم النسائي الليبي، مالطا، دار elga، 1997، ص 57.
10- شريفة القيادي، مرجع سابق، ص 66.
11- شريفة القيادي، مرجع سابق، ص 67.
12- الطاهر بن عريفه، مرجع سابق، ص 11.
13- احمد الفيتوري / عطر النزوة في الشعر النسائي الليبي / مدونات مكتوب،منبر حرية الفكر والكتابة.
14- (شريفة القيادي، مرجع سابق، ص 58).
15- احمد الفيتوري / عطر النزوة في الشعر النسائي الليبي / مدونات مكتوب،منبر حرية الفكر والكتابة) .
16- الطاهر بن عريفه، مرجع سابق، ص13.
17- بدرية بنت حمد بن خليفة الشقصية / زعيمة البارونية / شبكة اهل الحق والاستقامة.
18- الطاهر بن عريفه، مرجع سابق، ص12.
19- بدرية بنت حمد بن خليفة الشقصية / زعيمة البارونية / شبكة اهل الحق والاستقامة.
20- الطاهر بن عريفه، مرجع سابق، ص12.
21- لطفية القبائلي “مقابلة مع السيدة الاديبة زعيمة الباروني” مجلة البيت، العدد 10،السنة 12، 20 مايو 1976، ص6.
22- بدرية بنت حمد بن خليفة الشقصية / زعيمة البارونية / شبكة اهل الحق والاستقامة.
23- بدرية بنت حمد بن خليفة الشقصية / زعيمة البارونية / شبكة اهل الحق والاستقامة.
24- دليل المؤلفين العرب الليبيين، طرابلس، دار الكتب، أمانة الاعلام والثقافة، 1977، ص137:138.
25- دليل المؤلفين العرب الليبيين، طرابلس، دار الكتب، أمانة الاعلام والثقافة، 1977، ص137:138.
26- لقاء مع الأديبة زعيمة الباروني، مجلة “المرأة” ـ العددالثاني ـ 10 فبراير 1965م، ص 5) .
27- خديجة الجهمي، “الاستفتاء، تقييم الحركة النسائية قبل الثورة” مجلة المرأة الجديدة، نوفمبر 1969، السنة 5، العدد 17، ص5.
28- دليل المؤلفين العرب الليبيين، طرابلس، دار الكتب، أمانة الاعلام والثقافة، 1977، ص137:138.
29- الطاهر بن عريفه، مرجع سابق، ص14.
30- دليل المؤلفين العرب الليبيين، طرابلس، دار الكتب، أمانة الاعلام والثقافة، 1977، ص137:138.
31- لطفية القبائلي، مجلة البيت، السنة 12، 20 مايو 1976، العدد 10، ص 5

 

أسرار صغيرة ..

أسرار صغيرةلست من هواة مشاهدة برامج المسابقات ، لهذا لم أتابع يوما برنامج “الحلقة الاضعف” الا عبر لقطات سريعة ، فالأسلوب الغريب لمقدمة البرنامج “ريتا خورى” فى ذلك البرنامج استوقفنى لبعض الوقت ، سرعان ما نسيت البرنامج ونسيتها، لتفاجئنى عبر كتابها الأول المعنون باسم “أسرار صغيرة” بشخصية مختلفة تماما عن تلك التى ظهرت بها ريتا فى ذلك البرنامج.

وهذا الكتاب هو فى الاصل مجموعة تدوينات سبق لريتا كتابتها ونشرها فى مدونات قامت بأنشائها مابين اعوام 2006- 2011 لتقوم ريتا بجمعها فى الكتاب الصادر فى العام 2012 عن (دار بلومزبري ـــ مؤسسة قطر للنشر).

انهمكت فى قراءة الكتاب فور حصولى عليه لاكمله فى ساعات قليلة ، ثم اضفته لقائمة كتبى المفضلة ، كما صرت احمله فى حقيبتى لاعيد قراءة بعض الأجزاء فى اوقات الانتظار الطويلة بالعيادات والمصحات ، وحيث أصبحت ريتا رفيقة جيدة ومسلية بقصصها وتدويناتها وتأملاتها حول الحياة ومافيها .

كانت ريتا تتحدث من خلال اسم مستعار “رات ” وهو اسم التدليل الذى يستعمله المقربين منها ، كانت تشعر وقتها بحرية كاملة وهي تكتب دون أن يعرفها أحد، متحررة من قيود الشهرة، والقيود الإجتماعية ، و بطريقة سلسة وجميلة فيها جرأة وشجاعة كبيرة فى طرح آرائها وأفكارها ، حكت عن علاقتها بوالديها وزوجها ، ذكريات وحكايات الطفولة ، عن مشاكلها اليومية ، افراحها واحزانها ، و همومها ، وتساؤلاتها الوجودية.

تحت عنوان “أسرار صغيرة ” تتحدث عن ولعها بكتابة اليوميات فى دفاتر أنيقة تليق بأسرارها الصغيرة ، لتستبدل الدفاتر بمدونات مارست عبرها البوح بأسرارها ، وعبر الكتابة تحاول التغلب على مشكلة الخوف الاجتماعى ، فقد عاشت لسنوات خارج لبنان وعندما عادت انكفأت على نفسها مما دفعها للبحث عن مفاتيح للتعامل مع الحياة فى بيروت ، كما نكتشف أنها تكتب كى تتخلص من الألم ، من أوجاع وجروح الماضى ، وورغم معرفتها عن صعوبة الحصول على إجابة عن سؤال من أنا عبر تدوينة مركزة تحمل عنوان “من أكون” تحاول استعادة ماضيها كطفلة ومراهقة وشابة فى بدايات العشرينات من عمرها ، وتقول عن ذلك “أصعب الأمور مواجهة الأنسان لذاته ولذاته” .

تعترف ريتا بمنتهى البساطة بأنها زارت عيادة المحلل النفسي للمعالجة لسنوات طويلة ، كما تكتب رسالة بوح واعتراف جميلة لوالدها الراحل تحت عنوان ” أبى الذى ، مبدئياً، فى السماوات” تقول : “..لم تُتح لى فرصة التحدث إليك عن هذه الأمور ، كما أنك رحلت من دون إنذار، تاركا ً أحاديث معلقة على حبال الغياب ..” .

تحكى لنا عن انطباعاتها كطفلة عن الموت والجنة إثر وفاة جدها ، عن معلومات طريفة وغرائبية ترسخت فى ذاكرتها الطفولة حول هذا الموضوع الماورائى .

تحدثنا فى الكتاب عن علاقتها المتأرجحة بوالدتها منذ طفولتها المبكرة إذ تذكر مدى تأثرها بسماع والدتها تردد للمعارف عن لحظة رؤيتها لريتا فور ولادتها وكيف طلبت من المحيطين بها بالمستشفى أن يبعدوا الطفلة ذات الشعر الداكن والمظهر القبيح عنها ، تقول ريتا عن ذلك :”…كان الناس يضحكون لهذه القصة ، بينما أتمزق من الداخل، لم أفهم سبب رفضها لى، خصوصا أنه لاحيلة لى فى مجيئى إلى هذا العالم ..” .

عندما تكبر وتكتسب بعض الخبرة فى الحياة تحاول ان تجد تفسير ومبررات لسلوك وتصرفات والدتها، فتعترف بأنها احتاجت لسنوات طويلة كى تكتشف أن والدتها كانت امرأة لها عذاباتها وآلامها الخاصة، حيث تنجح فى التخلص من مشاعرها السلبية تجاه ماضي علاقتها بوالدتها.

فى نصوص متخيلة على لسان حاسوبها الشخصى تحدثنا على لسان جهازها الشخصى عن مشاعرها واهتماماتها المتقلبة بمواضيع بعضها يحمل طابع الغرابة والطرافة معا ، إذ تسعى للحصول على منملة لتربية النمل بعد قراءتها لثلاثية للكاتب” برنارد فيبير” ، عن علاقتها بزوجها وبأسرتها .

لا تخجل ريتا، من التكلم بصراحة عن التقلبات فى علاقتها بزوجها الذى يعمل ويقيم فى باريس ، ماجعلها تغادر بيروت منذ عام 2006 .

كما تشاركنا بتفاصيل علاقتها بابنة زوجها المراهقة ، وعن الكتب ، والسينما ، فنتعرف على افلامها المفضلة ، وعن كتابها المفضلين ، وأطعمتها المفضلة ، و رحلاتها و بعض الأماكن التى زارتها.

فى نصوص أخرى تروى لنا أسرار جرائم طفولة بريئة ، وتحدثنا عن فترات كآبة وانكفاء على النفس مرت بها ريتا ،قد يكتشف بعضنا قد سبق له المرور بمثل هذه الأوقات والتجارب السيئة .

ويفيض الكتاب بالكثير من الأحاسيس والمشاعر، والهواجس والمخاوف ، والاعترافات والتأملات .

قامت ريتا بتسجيل بعض النصوص من الكتاب بصوتها، وقد استمتعت بالاستماع للنصوص المختارة إذ أضفت مسحة جميلة عليها، اخترت هذا التسجيل الطريف حول اختراع السعادة .

http://https://soundcloud.com/rita-khoury/jopkfk3fo5yi

بدأت ريتا خوري مسيرتها الإعلامية في برنامج للهواة عام 1988 حيث شاركت عن فئة تقديم البرامج، ثم انتقلت إلى إذاعة الشرق في باريس، حيث قدمت خلال عشر سنوات من عملها هناك مجموعة من البرامج الثقافية والاجتماعية والفنية، ثم عملت فى بعض المحطات الغربية فى أوربا ، قبل أن يُعرض عليها تقديم النسخة العربية من برنامج المسابقات العالمى”الحلقة الأضعف” ، ثم قدمت برامج اجتماعية مثل “يوميات”و”حكايا الناس” و”سوالفنا حلوة”.

عاشوراء.. يوم للشكر والفرح في ليبيا

عاشوراءهناك عادات وتقاليد ليبية ذات طابع ديني وجد فيها الليبيين فى العقود الماضية قبل التحول إلى الحياة الحديث نوع من الترفيه البرىء ويتقربون فيها من الله فى الوقت نفسه، منها الاحتفال بيوم عاشوراء أي اليوم العاشر من شهر محرم من كل عام، حيث يصوم الكبار أيام تسعة وعشرة من هذا الشهر في مخالفة لعادة اليهود والمسيحيين، حيث يأخذون بما ورد أحاديث كثيرة في فضل يوم عاشوراء، منها: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأ اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ماهذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال: فأنا أحق بموسى منكم. فصامه وأمر بصيامه” (رواه البخاري 1865).  

وكان الأطفال يخرجون في مجموعات مع حلول ليلة التاسع من شهر محرم، يطوفون على البيوت ويطرقون الأبواب ويرددون عبارات مسجوعة يستدرون بها الهدايا والنقود من ربات البيوت. 

اتخذ الناس فى ليبيا فى العقود الماضية من يوم عاشوراء من كل عام موعد لاداء الزكاة ، ربما لانها تتوافق مع بداية العام الهجرى الجديد حيث يقوم الزراع والرعاة والتجار بمراجعة حساباتهم و التدقيق فى حصاد عامهم من الخسائر والارباح وفقا للتقويم الهجرى ، وفى مدينة درنة يطُلق على يوم عاشوراء ومايؤدى فيه من طقوس (تعوشير) وربما جاءت الكلمة كما يفسرها الباحث التاريخى مصطفى الطرابلسى رحمه الله بأنها تدل على أخذ العشر أو نصف العشر بالنسبة لزكاة الحبوب ، أو أخذ ربع العشر ، بالنسبة لزكاة النقدين وعروض التجارة . 

كانت الاسر الليبية تحتفل بيومى التاسع والعاشر من محرم بالصيام ، ثم تناول وجبة طعام برفقة افراد العائلة ، كما يقمن ربات البيوت فى مدينة بنغازى بإعداد طبق من البقوليات المسلوقة (حمص وفول ) أما فى بيتنا فقد اعتدنا على تناول طبق السليقة وهى قمح وفول وحمص مسلوق يضاف إليه القديد وبعض البهارات كالملح والفلفل الاحمر والكمون الاسود ، بحسب عادة اهل درنة مسقط رأس والدتى ، في حين يقمن ربات البيوت الليبيات المنحدرات من نسل الاتراك و الكريتلية (اليونانيين) بإعداد طبق البليلة وهى لاتختلف عن السليقة الا فى مذاقها الحلو حيث يستبدل الملح والبهارات بالسكر واللوز والزبيب ويضاف الى الحمص والقمح المسلوق ويزين بجوز الهند ، ويتم تبادل تلك الاطباق بين الجيران والاقارب والمعارف فى الحى والمدينة الواحدة ، فتصبح فرصة للاولاد والبنات للحصول على الحلوى والنقود مقابل قيامهم باحضار تلك الاطباق فلم يكن من العادة اعادة أى صحن فارغ .

و يوم عاشوراء عادة لاتعمل ربات البيوت في أى اعمال منزلية مرهقة باستثناء إعداد وجبات الطعام واستقبال افراد العائلة والجيران لتبادل التهنئة حيث يصبح هذا بمثابة يوم عطلة لهن ، فتكتحل النساء والشابات والفتيات الصغيرات بالكحل العربي ويخضبون أيديهن بالحناء ويقصصن جزء من شعرهن ، لاعتقادهن بأنهن سينلن حظ طيب بالحصول على زوج فى العام الجديد ، ولحرصهن على الظفر بشعر طويل ففى العقود الماضية قبل طغيان الحياة الحديثة على المجتمع الليبى كان هناك حرص كبير للحصول على شعر طويل كعلامة جمال مميزة للشابات ، كما يحرص الجميع فى تلك السنوات القديمة على الاستحمام فور الاستيقاظ اعتقادا ً منهم بأن الماء مزمزم أى قادم من بئر زمزم._____ ______ __ _______ __________كما يهرعون صباح يوم عاشوراء الرجال والنساء برفقة أطفالهم للقيام بزيارات للمقابر التى احتوت رفات أحبائهم وأقربائهم محملين بالزهور والورود وأعراف الياسمين وأوراق شجر الموز الخضراء وسعف النخيل وأوآنى المياه وهناك يتحلقون حول قبورأحبائهم يتحادثون ويتسامرون مستعرضين سيرهم وتواريخهم يسردونها فى شوق وعبره لأبنائهم وأحفادهم المرافقين لهم ، وفى نهاية لقائهم بأحبائهم سكان القبور يودعونهم بكلمات مفعمة بالتدين والإيمان ( أنتم السابقون ونحن اللاحقون ) ويقرأ الجميع كل حسب مقدرته وثقافته آيات من القران الكريم ( أو يستأجرون أحد الشيوخ لكى يقرأ تلك الآيات من الذكر الحكيم) ترحما وصدقه على أرواح أحبائهم وأقاربهم من ساكنى القبور ، ثم يضللون هذه القبور بعد ان ينظفونها من بقايا الأعشاب اليابسه والشوائب، بالأغصان الخضراء وينثرون عليها الورود التى أحضروها معهم ، كما يبللون ترابها وأعشابها برشات من قوارير المياه ويتركون بعد ذلك ما تبقى منها فى أوآنى على قمة تلك القبور رحمة لزوارها من الطيور والحشرات، كما يتصدقون بعد انتهاء الزياره بما توفر لهم من مال أو غذاء على الفقراء والأغراب المتواجدين عند مخارج المقبره.

تذكر والدتى بأن خالتى الكبيرة ياسمينة كانت تحرص فى كل عام من يوم عاشوراء على زيارة الجبانة الغربية بدرنة حيث ترقد والدتها واخيها فرحات الذى قُتل على يد الايطاليين فى أثناء الحرب العالمية الثانية ، مصطحبة ابنائها وزوجها وخالاتى الصغيرات حاملين اغصان النخيل و الياسمين لوضعه على قبور الاحباء الراحلين .________ _______وكان الاولاد والبنات يرددون اغانى واهازيج خاصة بيوم عاشوراء اختلفت من مدينة لأخرى، ففى بنغازى ومدن برقة بشكل عام و،كان جمل عاشورة أهم مايلفت النظر فى الاحتفالات بعاشوراء فكان كل حى يعد الجمل الذى هو عبارة عن قفص خشبى مذبذب الرأس يغطى بالقماش وتربط به خشبة طويلة مغطية بالقماش أيضا تمثل رقبة الجمل وترشق على رأسها جمجمة جمل ، وكان أحد الشبان يدخل وسط القفص فيحمله ويبدو كما لو أنه جمل وتطوف الجمال بالشوارع ومن ورائها الصغر يهتفون جمل عاشوره أى والله ويرجح الدكتور وهبى البورى أن هذه العادة موروثة من العهد الفاطمى فى ليبيا، وكان الاطفال يسيرون وراء الجمل فى موكب ، حاملين صحونا ً مملوءة بالفول والحمص ، ويمرون على البيوت مرددين:يالله جمل عاشورة/ يالله يلعب بالكورة /يالله فى يوم عاشورة /الله يلعب بالمية / الله فى جنان حليمة).

   وما إن يقترب الأطفال من أحد المنازل حتى يطلبون العاشورة المكونة من الفول والحمص وهم يرددون:

عاشورة عاشورتى     تنفخ لى كورتى

تنفخها وتزيدها         سموا من هو سيدها

سيدها عبدالرحمن     كارس فى ذيل الدكان

      يأكل فى خوخ ورمان 

ثم يتوقفون فى انتظار ماسيجود به أهل البيت من فول وحمص وهم يرفعون أصواتهم منشدين:

اللى ماتعطينى الفول     يصبح راجلها مهبول

اللى ماتعطينى الحمص   يصبح راجلها يتلمس

وعندما تعطيهم ربة البيت الفول والحمص وتجود عليهم من خير البيت، فإنهم يمدحونها ويمدحون كرمها قائلين:

هذا حوش البوبشير     فيه القمح والشعير

هذا حوش عمنا           يعطينا ويلمنا

هذا حوش سيدنا     يعطينا ويزيدنا

فإن لم تعطيهم ربة البيت شيئا ً ، وهذا نادر مايحدث إلا نفذ ماعندها من حمص وفول، فإنهم يقفون أمام الباب ويذمونها مرددين:

هذا حوش الوزنان   فيه القمل والسيبان

الرحى معلقة     والمراة مطلقة

وفى هذا البيت إشارة خفية إلى أن البيت الذى يخلو من امرأة كريمة صالحة هو شبيه بالبيت الذى فيه امرأة كسولة ، ولا توجد به أخت كبيرة تعتنى بالصغار، لذلك فكل الأطفال غير نظاف ، ويمتلىء شعرهم بالقمل وبيوضه ولا يطبخ فيه الطعام او يطحن فيه الدقيق ، والزوجة فيه ستتعرض حتما ً للطلاق لكسلها وعدم نظافتها أو عنايتها بالأطفال، وهى إشارة إلى ضرورة الاهتمام بالأسرة والبيت، ودعوة خفية لأداء الواجب.

وفى مدين درنة يحمل الأطفال صحون الفول والحمص ، ويدورون فى الشوراع وهم ينشدون(وارشة نملة ونميلة/وارشة جاك الغرنوق/وراشة ينقبلك عينك/وارشة عينك لافوق/وراشة عدا للسوق/وراشة شراء عبروق / وارشة من وسط السوق/وارشة عبروق فضية/وارشة بألفين ومية).

والغرنوق هو الطائر البحرى المعروف (ونقبك) اى نقرك بمنقاره ، ويرى الباحث التاريخى مصطفى الطرابلسى رحمه الله فى هذه الاهزوجة كنوع من التعبير الشعبى عما كان يصيب الناس من عسف الجباة فى العهود الماضية ، فالمعروف أن جباة الضرائب فى عهد العثمانى لم يدخروا وسيلة او فرصة لاجل استنزاف موارد الناس ، فكانوا يجمعون منهم النقود والأقوات وقد يصادرون منهم مايدخرونه من قوت أو نقود ولايستثنون الفقراء .

كما يردد الاطفال فى مدينة درنة عبارة مسجوعة (اللى ماتعطى العشورا ، تصبح برمتها مقعورا ) وهى تقليد ومحاكاة لما كان يجرى أمام اعين الاطفال من مساومات وتهديدات يطلقها جباة الاموال من موظفى الدولة آنذاك .199677_460833697280492_434291995_nأما فى مدينة طرابلس فإن الأطفال فى دورانهم على البيوت فيتولى قيادتهم (الشيشبانى) وو احد شباب الحى يكون طويل القامة يتبرع للقيام بهذه المهمة مرتديا ملابس من الخيش ويلبس معها سلاسل واالقواقع البحرية وبعض التمور الخضراء والعقود المعدنية وقد يضع عمامة وقناعا من الألياف نفسها ، ويعلق العلب الفارغه في جسمه حتى تحدث صوتا يقرقع ويمسك في يده عصا يرقص بها والأطفال يغنون له أغنية الشيشباني : (شيشبانى يابانى/ هذا حال الشيشبانى/ هذا حاله وأحواله/ربى يقوى مزاله/ شيشبانى فوق جمل/ سقد يامولى المحل/شيشبانى فوق حصان/ سقد يامولى الدكان/شيشبانى فوق تناكة/سقد يامولى البراكة/عمى الحاج هات امية/ بيش انعنقر الطاقية/قيزة قيزة حق القاز/عسكرى والا منطاز).

ويبدأ تهديد صاحبات البيوت (اللي ماتعطيش الفول/ يقعد راجلها مهبول )، اى من لاتعطينا الفول يصبح زوجها مهبولً اي مجنون ، محذرين صاحبة البيت إذا لم تعطي الفول فإن زوجها سيجن ويصير بهلول . 

وعندما تهرع صاحبة البيت لجلب نصيبهم من الفول والحمص وتكون كريمة يغنون لها: (أمشت أتجيب / أعطيها الصحة )، وإذا تأخرت يغنون ساخرين (أمشت تجيب/ أكلاها الذيب ) ، اي ذهبت لتحضر الفول تاخرت اكلها الذئب ، وبعد أن تمتلئ السلال بالفول والحمص يكون الأطفال قد تعبوا من الدوران على البيوت فيغنون للشيشبانى ليرجعهم لبيوتهم قائلا ً: ( روح بينا / شيشباني ليل علينا) فيستلقى الشيشباني ويتظاهربالموت ويقول: (افويله افويله/ وإلا نموت الليلة ) فيقول له الأطفال (صلي صلاتك / الموت جاتك ) ثم يودعون الليلة بأغنية ( العادة دايمة وتدوم العادة / ديرلها سلوم ) .

استوقفت شخصية الشيشبانى الكثير من الباحثين فى التراث الليبي كثيرا فحاولوا تفسير وجود هذه الشخصية الغريبة ضمن الموروث الشعبى الليبى ، باعتبارها جزء من تأثيرات افريقية اتت مع جماعات العبيد الذين عملوا فى بيوت ومزارع الطرابلسيين .

قد كانت شخصية الشيشباني – ولا تزال – شكلا من أشكال التسلية الشعبية الموسمية داخل المجتمع الليبي. حيث تصبح عاشوراء فرصة لنشر روح المرح والفرح بين سكان المدينة ، وزيادة تقوية روابط المحبة والخير بين أفراد المجتمع الليبى .

هذا المساء انتظرت أن يمر اطفال الحى مرددين اهازيجهم واغانيهم مطالبين بنصيبهم فى العاشورا ، لكن الانتظار طال ولم يطرق الباب أى ولد او بنت من اولاد الجيران ، باستثناء حفيد احد اقدم جيراننا جالبا فى يده طبق فول وحمص ، كنت انتظر أن اسمعه يردد عاشورا عاشورتى ، مع الاسف اكتشف مع مرور الاعوام اختفاء واندثار الكثير من العادات والتقاليد الجميلة ، وكم يحزننى الامر فهى عادات وتقاليد تحض وتحرص على اعلاء القيم السامية فى مجتمعنا.

* تم كتابة ونشر هذه المادة التاريخية التوثيقية بمدونتى “المحيط “فى العام الماضى 2013 بمناسبة عاشوراء.

اللوحات للفنان الليبى عوض عبيدة رحمه الله 

من التالي ..

indexجاؤُوا أوّلاً إلى الشّيُوعيّين،
وَلَمْ أرفَعْ صَوْتِي،
لأنّي لَمْ أكُنْ شُيوعيًّا.
ثُمّ جاؤُوا إلى الاشتراكيّين،
وَلَمْ أرفَعْ صَوْتِي،
لأنّي لَمْ أكُنْ اشتراكيًّا.
ثمّ جاؤُوا إلى أعْضاء النّقابات،
وَلَمْ أرفَعْ صَوْتِي،
لأنّي لَمْ أكُنْ نقابيًّا.
ثمّ جاؤُوا إلى اليَهُود،
فَلَمْ أرْفَعْ صَوْتِي،
لأنّي لَمْ أكُنْ يهوديًّا.
بَعْدَئذٍ جاؤُوا إليَّ،
فَلَمْ يَتَبَقَّ أحَدٌ
لِيَرْفَعَ صَوْتَهُ لأجْلِي.

هذا جزء من نص قصيدة شهيرةألقاها القس الألماني ” فريدرك غوستاف إميل مارتن نيمولر” (1892 – 1984) والذى كان من مؤيدى هتلر والحزب النازى فى البداية، إلا أنه تحول لمعارضة الحزب بعد ماتبين له سياسات الحزب اللانسانية و وحشيته والجرائم التى ارتكبها ضد الانسانية ، وقد تم سجنه حتى حررته قوات الحلفاء مع نهاية الحرب العالمية الثانية ، و يعتبر هذا النص من بين النصوص الشهيرة التى تتناول لامبالاة الأفراد تجاه مايجرى حولهم فى مجتمعاتهم ، خاصة فى أوقات يشتد فيها الظلم .

الترجمة :للاستاذ سـلمان مصـالحة

نادين الخالدي مع طرباند وغناء الحنين للاوطان ..

1571944_1200_798منذ ظهور الانترنت وتزايد استعماله لاغراض متعددة ، ظهرت مواقع موسيقية تباينت جودة محتوياتها بين الممتاز والردىء ، هذا اتاحت الفرصة أمامنا للبحث عن موسيقانا المفضلة والتعرف على الأنواع الجديدة ، ووفر لنا حرية الاستماع لموسيقى وغناء مختلف عن الشائع والرائج فى القنوات التجارية العربية، وفى الاعوام العشر الأخيرة ظهرت بالعالم العربى أنواع من الغناء والعروض الموسيقية التى أصبحت تُطلق عليها عدة تسميات منها الفن الملتزم أو الفن التجريبى أو الفن المستقل أو فن الشارع ، ومهم اختلفت التسميات ولكن المضامين متشابهة ومتقاربة من ناحية ، ومختلفة عن الغناء التجارى الاستهلاكى المقدم فى القنوات الفضائية وعلى محطات الراديو الخاصة من ناحية أخرى ، حيث يستلهم هذا النوع من الغناء والموسيقى مواضيعه وأدائه من افكار وواقع المجتمعات التى نشأ فيها هؤلاء الفنانيين من الجنسين ، عندما كان الغناء للحرية ومحاربة الفساد والدكتاتورية و الثورة ضد قيم فاسدة وبالية تلاحق أمنيا من قبل الانظمة العربية القمعية ، ولاتجد لها أى حضور فى وسائل الاعلام العربى ، ولكن الحال تغير مع انتشار التكنولوجيا الحديثة وازدياد عدد مستخدمى الانترنت فى العالم العربى ، واقبال الفنانين العرب على نشر انتاجهم دون التعثر بمقص الرقيب او الالتزام بشروط شركات الانتاج الفنى التجارية فى العالم العربى .
من بين الاصوات والانتاجات المميزة التى شدتنى للتعرف على تجربتها الفنية الغنية المطربة العراقية ( نادين الخالدى ) هى فنانة عراقية مولودة فى بغداد من أب عراقى وأم مصرية (عازفة بيانو) تعرف عليها الأب (الممثل والمخرج كنعان وصفى) عندما ذهب للقاهرة للمشاركة فى مشاريع سينمائية خلال الستينات والسبعينات …قضت نادين سنوات طفولتها ومراهقتها فى بنغداد حيث درست الموسيقى الكلاسيكية والباليه ، تحت ظروف صعبة فى حينها فى ظل الحرب العراقية الايرانية ، وماتبعها من حرب الخليج الثانية .. فى حينها حيث تخصصت فى العزف على آلة الكمان ..و فى العام 1992 غادرت للاقامة فى القاهرة بعد حرب الخليج الثانى ، وبعد قبيل الغزو الامريكى للعراق غادرت القاهرة الى السويد فى العام 2002 حيث استقرت فى مدينة مالمو بجنوب السويد ، وسرعان ما انسجمت وشقت طريقها ، وحققت نجاح وشهرة كبيرة فى موطنها الجديد حيث أسست فرقة “طرباند” وهى فرقة تضم عازفين من السويد و فرنسا وجنسيات مختلفة ، حيث تقدم معهم “نادين” وهى تعزف على آلة الساز، موسيقى عراقية فلكلورية بتوزيع موسيقى جديد واغانى عربية ممزوجة بموسيقى فلكلورية اسكندنافية ، وموسيقى الجاز ، و الموسيقى امريكا اللاتينية، حيث تتشارك مع عددا من اعضاء الفرقة فى اعداد الاغانى الفلكلورية موسيقيا وتوزيعها وكتابة الكلمات المناسبة لها،بالاضافة لمشاركة نادين كممثلة فى العروض المسرحية المقامة فى السويد .

وتهدف نادين من مشاركتها النشيطة فى الحياة الفنية والقيام بجولات فى السويد وباقى انحاء أوربا من أجل التعريف بالثقافة والفن العربى ، محاولة المساهمة من خلال العروض والجولات فى نشر التسامح والتعايش والمحبة بين الشعوب الاسكندنافية والشعوب العربية التى تعيش فى السويد ، بالإضافة لربط الاجيال الجديدة من المهاجرين العرب بأرثهم الموسيقى والفنى .

نادين الخالدى حائزة مع فرقتها على عدة جوائز منها :

Folk & World Music Awards 2014
Tradition Bearer of Sweden
Sweden’s Art Grant 2013
Malmö Culture Scholarship 2012

اتسائل لما تبقى مثل هذه الاعمال الجميلة ، المبهجة ، الراقية ضمن الانترنت ، لما لاتنتقل الى الشاشات العربية كى تساهم فى الارتقاء بالذائقة العربية ، وتساعد على نشر ثقافة مختلفة من الانصات لاصوات مدربة ومؤهلة ، ومواضيع تمس مباشرة هموم ومشاكل واحلام المواطن العربى دون اغراقه بنوعيات من الغناء الهابط يمكن اعتباره بمثابة المخدر لعقول فئة الشباب بالذات ..

اخترت اغنية “بغداد جوبى” من البوم “ياسيدى” للفرقة بصوت “نادين الخالدى” ، لانها بمثابة محاولة من “نادين” ابنة بغداد لتسجيل ذكرياتها ببلدها وموطنها الاصلى فهى تغنى لريحة بلدها.

موقع الفرقة :http://www.tarabband.com/music/

الدكتورة فريدة العلاقي: صورة مشرفة لنساء ليبيا

Untitledظهور اسم السيدة فريدة العلاقي من جديد على المشهد السياسي الليبي عقب تسميتها كوزيرة للخارجية فى حكومة السيد الثني، جعلتها عرضة للتساؤلات والتعليقات من المواطنين فى ليبيا ، تحولت فى جزء منها لحملات تشويه وسخرية على هذه السيدة الشجاعة المحترمة الزاهدة فى تولي مناصب عامة في الدولة الليبية، فقد اعلنتها أكثر من مرة عزوفها عن ذلك، ودعوتها للشباب للتقدم وتحمل المسؤليات،تأملت من السيدة فريدة لو اصدرت تصريح قصير موضحة رأيها فى تولى المناصب العامة فى الدولة ، خاصة فى ظل التجاذبات السياسية الحادة وكم تمنيت لو أنها نأت بنفسها عنها.

ماجعلنى اشعر بالكثير من الالم والحزن على عدم منطقية كثير من آراء الناس، المبنية على معلومات قليلة او محدودة حول هذه السيدة الرائعة، وهو ما دفعني إلى إعادة نشر مادة أولية حول السيدة فريدة العلاقي كنت قد قمت في اليوم العالمى للمرأة عام 2012 بكتابتها ونشرها عبر حسابي الشخصي في الفيسبوك باعتبارها وجه ليبي مشرق ومعروف في خارج ليبيا ولكن الغالبية العظمى من الليبيين يكادون لايعرفون عن سيرتها وتاريخها الكثير او حتى القليل، لبقائها في المنفي ضمن صفوف المعارضين لنظام القذافي طوال اربعين عام.

لقد نالت تلك المادة اعجاب السيدة هيلانة بن علي مديرة الصفحة الليبية “صوتي ليس عورة” فطلبت الإذن بإعادة النشر على الصفحة المهتمة بقضايا المرأة الليبية والعربية، فوافقت على ذلك كأداء لواجبي تجاه هذه السيدة الشجاعة، ولكني تفاجئت فيما بعد بإعادة نشرها ضمن موقع وكالة محلية تحمل اسم “الأنباء” دون الإشارة إلى الكاتبة أو مصدر المقال. والطريف أن إعادة النشر ضمنت كل الأخطاء اللغوية والإملائية وحتى ترتيب عرض الموضوع كما هو منشور على صفحتي الشخصية بالفيسبوك دون أن يتكلفوا عناء التصحيح. ورغم تعليقي في خانة التعليقات بالموقع الى تعديهم على حقي المعنوي بعدم وضع اسمي على المقال لم يجري تصحيح الامر ، بل تم تجاهلي من قبل محرري الموقع. ومع ظهور اسم السيدة فريدة العلاقي من جديد على المشهد السياسي الليبي، إثر تسميتها كوزيرة للخارجية في حكومة السيد الثني، اعُيد نشر المقال خلال الايام القليلة الماضية عبر موقع “بوابة الوسط” بنفس أسلوب الوكالة السابقة مع الابقاء على نفس الأخطاء الإملائية و اللغوية وترتيب الفقرات، المهم قررت إعادة نشر المقال كاملا بعد التصحيح والتعديل مع الاشارة لما حدث معي، رغم شعوري بالغضب والانزعاج من التصرف غير المهني و غير الأخلاقي من طرف الموقعين.

جاء اهتمامي بالسيدة فريدة بلقاسم العلاقي ضمن نشاطي بمؤسسة تبرة برئاسة السيدة هناء النعاس رحمها الله (خلال اعوام 2003-2011) وهي مؤسسة تركز على تقديم قصص نجاح لنساء ليبيات من كافة الاعمار والخلفيات، وقد استوقفني، عام 2005، خبر اختيار الدكتورة فريدة ضمن ألف (1000) امرأة حول العالم لنيل جائزة نوبل للسلام وذلك باعتبارهن من الفاعلات والمؤثرات في تحسين البيئات اللائي يعشن فيها.

 بدأت مشوراها العلمي من جامعة بنغازي، وكانت ذات حضور ملفت وسط طلاب قسمها (الفلسفة وعلم الاجتماع) حيث عرفت بثقافتها الواسعة ، وروحها الاجتماعية العالية، من هنا شكلت بين زملائها في كلية الآداب  نموذج مختلف للفتاة الليبية في تلك الاعوام. وربما ماساهم في تشكيل شخصية السيدة فريدة نشأتها في بيت يهتم بالتعليم والثقافة مما ترك أثر عميق على شخصيتها. فوالدها هو السيد بلقاسم العلاقي وزير التعليم في دولة الاستقلال، وجدها لوالدتها هو السيد مفتاح عريقيب، احد كبار تجار مدينة صرمان ومن أعيانها ،وقد تولى عديد المناصب في دولة الاستقلال أخرها رئيساً لمجلس النواب (1960). وتتحدث في لقاء صحفي حول نشأتها وتربيتها في سنوات الطفولة قائلة: ” .. منذ طفولتي كنت قريبة جدا من والدي، وقد عمل والدي وزيرا للتعليم والصناعة، وقد تشربت من والدي الكثير من القيم والمبادئ ومنها (حب الوطن)، أما والدتي فكانت امرأة قوية وذكية وشجاعة رغم انها لم تكن متعلمة الا انها مسيسة جدا ومكافحة تحثنا جميعا على مواصلة التعليم، وفي الحقيقة أدين كثيرا لوالدي ولوالدتي، وكذلك لجدتي التي عشت معها أيام طفولتي الأولى، فهؤلاء الثلاثة هم الذين ساهموا في تشكيل شخصيتي وحياتي “.

وهذه البيئة الاولى التى نمت وترعرت فيها السيدة فريدة هي التي اسهمت في توجهها للعمل مع البشر أى في مجالات التنمية البشرية والصالح العام حول العالم. وتشير الى ذكريات الطفولة حول هذا الجانب في حياتها :” .. كان مصطلح التنمية البشرية في سنوات الطفولة يعني العمل مع البشر، وهو بالنسبة لي كذلك – قبل أن يقنن بهذا التعبير – نشأ معي منذ طفولتي وأنا أشاهد والدتي وهي تعمل مع هذه الفئات أى الفقراء والمحتاجين والأطفال، ثم كنت أشاهد جدتي، فكنت دائما محاطة بالمحيط الأسري برؤية كل فئات المجتمع وكل الناس، وأعتقد أنه كانت هذه هي البداية ، وبعد ذلك – طبعا – تدرجت في تحصيلي العلمي وحياتي العملية ، وكنت ناشطة قبل زواجي في العمل الكشفي (الكشافة) الذي ورثت واستفدت منه الكثير “.

 ولاشك أن النشأة الاولى وتفتح الوعي على محيط عائلي تدور فيه بشكل يومي أحاديث السياسة والشأن العام كان له تأثير كبير على اهتمامات الدكتورة فريدة في تلك السنوات مما نمى فيها روح النضال، فأندفعت للمشاركة في المظاهرات الداعمة للثورة الجزائرية في شوارع طرابلس، واعتبرت المناضلة جميلة بوحريد مثلها الأعلى في تلك السن الصغيرة قبل دخولها للجامعة في بنغازي وتتحول الى احدى الشخصيات النسائية المطبوعة في ذاكرة طلاب واساتذة الجامعة بتلك الفترة.

تخرجت عام 1969 من كلية الآداب بجامعة بنغازي، لتسافر لاكمال دراستها في الولايات المتحدة الإمريكية حيث  نالت درجتي الماجستير والدكتوراه من ولاية (كولورادو) الأميركية في مجال (علم الاجتماع : تخصص التخطيط الاجتماعي والتنمية) عام 1980.

هذا وقد عملت الدكتورة فريدة منذ عام 1975 م في الكثير من المؤسسات الدولية والاقليمية؛ مثل عملها كمستشارة للتنمية البشرية وصياغة السياسات والتخطيط الاستراتيجي وتنمية الموارد، ثم انتقلت للعمل بعد ذلك في وكالات الأمم المتحدة كاليونيسيف وصندوق الأمم المتحدة للسكان والبرنامج الانمائي واليونسكو واليونيفيم ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة العمل الدولية.

أسهمت في بداية الثمانينيات بإنشاء عدة مؤسسات وطنية واقليمية ودولية ومنظمات غير حكومية من خلال تركيزها على النساء والأطفال والشباب والفقراء والأقليات .

وقد عينت مسئولة عن مشاريع وبرامج منظمة (اليونيسيف) في الرياض عام 1981 م وبين عامي 1983-2011 م مديرة لإدارة المرأة والطفل في برنامج الخليج العربي لدعم منظمات الامم المتحدة الانمائية.

 بالإضافة لعملها في المجال الدولي بالأمم المتحدة، حيث أصبحت خبيرة دولية في المنظمة الدولية للطفل التابعة للأمم المتحدة (يونيسيف)، كانت لها عدة نشاطات متواصلة في بعض الجمعيات الاهلية، فساهمت في برامج الانماء وخطط التنمية المستدامة والشباب، وهي مستشارة دائمة للأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود ، كما  تعد أبرز المؤسسين لمشروع تنمية الطفولة المستدامة في الأمم المتحدة.

انضمت في العام 1991 إلى 105 من زعماء ونشطاء المجتمع المدني حول العالم لتشكيل اللجنة التنسيقية لتأسيس منظمة دولية من أجل ترسيخ قيم المواطنة والمجتمع المدني في كافة دول العالم، خاصة في بعض المناطق التي تتعرض فيها الديمقراطية والمشاركة وحرية المواطنين في العمل والتعبير للتهديد والتضييق. و تشغل حاليا منصب المدير التنفيذي لمؤسسة مينتور (العربية) وهي تتبع مؤسسة مينتور (العالمية) للوقاية من المخدرات والتي ترأسها الملكة “سيلفيا ” ملكة السويد. وقد منحت الكثير من الجوائز العربية والعالمية تقديرا لإسهاماتها في مجالات التنمية في العالم العربي وفي مختلف أنحاء العالم.

لها الكثير من الدراسات والمؤلفات العلمية باللغتين الانجليزية والعربية منها: “تفعيل المجتمع المدني العربي”، ورقة علمية في: تقرير التنمية الانسانية العربية للعام 2002 : خلق الفرص للأجيال القادمة، برنامج الامم المتحدة الانمائي؛ الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي ؛ و برنامج الخليج العربي لدعم منظمات الامم المتحدة الانمائية، المكتب الاقليمي للدول العربية، برنامج الامم المتحدة الانمائي، 2002 م.

تعرضت السيدة فريدة للكثير من المضايقات من نظام القذافي كي تنخرط في اعمال تحت رعاية عائشة القذافي في الاعوام الأخيرة قبيل الثورة، بالإضافة لتعرض زوجها الدكتور فيصل الزقلعي لمحاولة اغتيال على يد قاتل مأجور في بيتهم في الولايات المتحدة الامريكية بدايات الثمانينات عندما أطلق القذافي حملة للتصفية الجسدية ضد المعارضين الليبيين بالخارج، وقد تسبب اطلاق النار الذي تعرض له الدكتور الزقلعي خسارته إحدى عينيه ، كما دفعت ثمن معارضتها للنظام بحرمانها من تربية ابنتها التى تصادف ان تركتها برعاية والدها ووالدتها أثناء اكمالها لدراستها العليا لنيل درجة الدكتوراه فى الولايات المتحدة الامريكية ومع انخراطها فى أعمال المعارضة بالخارج ، لم يسمح لها نظام القذافى لمدة ست عشر عاما أن تحضر ابنتها لتعيش معها خوفا ً على سلامة اسرتها بليبيا فكانت تلتقى معها مرة فى العام لمدة شهر أثناء اجازة يقضيها والداها فى اوربا مصطحبين الابنة التى كبرت بعيدا عنها كل تلك السنين.

الدكتورة فريدة كانت معارضة منذ عهد المملكة، مقتبسة نهج جدها السيد مفتاح بوعريقيب الذى عُرف كنائب في البرلمان الليبى  بمعارضته للحكومات الليبية، وشدة حرصه على المصلحة العامة، ويصفه الدكتور شكرى السنكى قائلا :” ..كان عريقيب مهتماً بشئون دينه اهتماماً كبيراً.. ومهتماً بشئون النَّاس ومدافعاً صلباً عن مطالبهم.. وكثير الإطلاع والقراءة، تميز بمقدرته في إثراء النقاش وطرح الأسئلة الهامـّة. حمل السّيّد مفتاح عريقيب هموم النَّاس ومطالبهم، وضع عريقيب شكوى المواطنين وتظلّماتهم على سلم أولويات عمله كنائب، وكان من أبرز ممثّلي الشّعب الذين أثاروا تظلّمات المواطنين بشأن أراضيهم المغتصبة من الطليان في البرلمان الجديد”. فكانت تنتقد الحكومات الليبية في عهد المملكة  بروح  وعقل شابة تنتمي لجيل طليعي في ليبيا بتلك السنوات، وبعد انقلاب القذافي ومع اكتشافها لحقيقة النظام الجديد تحولت لصفوف المعارضة الشابة أنذاك من طلبة الجامعات الليبية فشاركت مع رفاق لها في تأسيس اتحاد الطلبة الليبي المعارض، ثم التجمع الليبي الديمقراطي كحزب معارض.

ساهمت الدكتورة فريدة مع اندلاع ثورة 17 فبراير في تنظيم المظاهرات والاعتصامات وممارسة الضغوطات على جامعة الدول العربية بشأن قرار الادانة للنظام القذافي، وظلت تجمع التبرعات وتتحدث لوسائل الاعلام للتعريف بالمجلس الوطني الانتقالي في ايامه الاولى معرضة حياتها وحياة أسرتها للخطر.

رغم بلوغها الستين من عمرها لاتزال الدكتورة فريدة في قمة نشاطها وحيويتها  ، تقود مشاريع لصالح الشباب والاطفال والنساء في ليبيا بعد ثورة فبراير، فهي صاحبة خبرة في مجال المجتمع المدني وحقوق الانسان، ولهذا تتمتع برؤية انسانية لتحقيق التواصل بين أبناء الوطن الواحد، كذلك بين مواطني المنطقة العربية ونظرائهم في مناطق أخرى من العالم، وقد أسست مع أخريات المنتدى الليبي للمجتمع المدني بعد ثورة فبراير.

كما عملت الدكتورة فريدة دائما على نشر وتعزيز قسم التسامح والتفاهم والحوار بين مختلف الثقافات والأديان والجماعات المختلفة .

تركز الدكتورة فريدة على أن النقد البناء والفعال هو دور المواطنة الحقيقي، وأهمية دور وسائل الاعلام والقضاء في مواجهة أمراض الناجمة عن نظام فاسد إذ تعتبر بحسب رأيها :” أكبر ضمانة يجب التركيز عليها هي القضاء والإعلام، فإذا تمكنا من خلق سلطة رابعة من الإعلام تراقب وتلاحق وتقيم وتعري وتكشف وتحارب الفساد، نكون قد انجزنا أمراً في غاية الأهمية، وبالطبع سنكون جاهزين لشكر من يحمي ليبيا، ونحن مستعدون لكشف كل من يحاول الاستمرار في الفساد والسرقة “.

 السيدة فريدة انسانة متوازنة وموضوعية في آرائها وافكارها فهي ترفض “فوبيا” وصول التيارات الاسلامية إلى الحكم، كما أنها راضية عن كل من يتسلم الحكم سواء كانت أطرافاً اسلامية أو علمانية شرط أن تجري الانتخابات بشكل ديمقراطي، إذ ترى “أن المهم بأن يشعر المواطن الليبي أن الانتخابات غير مسروقة وغير فاسدة، فالشعب الليبي هو الذي يختار ممثليه، وهو لم يشعر بالحرية والديمقراطية ولم يعبر عن رأيه منذ 42 سنة “.

ولكنها مع التشديد على ضرورة الحوار بين أطياف ومكونات المجتمع الليبي، فهي تنادي دائما  بـ “الحوار سنصل إلى ليبيا المستقبل” ، فهي تقول :” … ليس لدينا أي مخرج من هذا المأزق الذي نحن فيه إلا بالحوار، هناك تجارب لدولة معقدة، فهناك دول أصعب منا بها طوائف وأحزاب و”تشكيلات ” واستطاعت أن تجلس على طاولة وتتحاور”.

وان كانت لاتخفي مخاوفها من المرحلة التى وصل إليها المجتمع الليبي من تنامي العنف دون العمل بجدية ومثابرة على جلوس الليبيين للتحاور و التواصل حول مخاوفهم و مايريدون تحقيقه، وترى أن الانانية والغاء جهود وادوار البعض هي عامل مهم في تعطيل او افشال أي مبادرة للحوار الوطني ففي مقابلة صحفية معها في شهر يونيو من عام 2014 تقول :”..إن ما يخيفني في هذه المبادرات هذه ’الأنا’ المتضخمة والجميع يريد أن يتسابق حول من يقول (أنا بدأت ..وأنا من بادرت ..وأنا من فكرت) هذه ’الأنا’ يجب أن نتخلص منها وأن تدفن وأن يتواضع الجميع، فالحوار الوطني والميثاق بدأ منذ سنة 2011 والحوار الوطني بدأ في مصراتة حين تداعت خمسة آلاف منظمة مدنية للحوار – مثلا- لهذا علينا أن نبحث عن الجهود السابقة ونأتي بكل من بدأ في السابق، وأن نضيف لهم كل من بدأ في الحاضر وجمع هذه الأفكار والجهود، إذا كان الجميع يحب ليبيا ويعقل من أجل ليبيا وألا يحب نفسه ويسعى لتلميع نفسه لكي يصل إلى شيء ما “.

وعن رأيها حول دور الشباب في بناء الاوطان فهي تنادي بضرورة اشراكهم بشكل جاد وفعال في تحمل المسئوليات وتقديم الدعم والمساندة لهم “علينا العمل بتفاؤل وأمل وجدية لبناء الجسور المتينة بين مختلف الفئات، من خلال إبراز المواقع الشبابية إلى الأمام، والسير بدقة وتوازن لتحقيق الحلم” .

اتمنى الا ينسى الليبيون وألا يجحدوا ما قدمته الدكتورة فريدة من صورة مشرفة للمرأة الناجحة الليبية ودورها حول العالم في مجالات الطفل والتنمية. إختلاف الأراء والإجتهادات يجب ألا تقودنا إلى الجحود والنكران وعدم التقدير، قليل من الإنصاف في التعامل من مصلحتنا جميعا.

المراجع:

  • – محمد أحمد عبد القادر،مقال” بطالة الشباب بين واقع العجز العربي وإشكالية التمويل الغربي”،منشور على موقع البى بى سى العربى بتاريخ 26 أغسطس 2005.
  • – د.شكرى السنكى من مقال العهد الملكى – رجال حول الملك (9من9) ، منشور على موقع ليبيا المستقبل بتاريخ 1/7/ 2009.
  • – ناصر الدعيسى ، مقال “فريدة العلاقى” منشور على موقع جيل الليبى بتاريخ 19 /2010/5.
  • – ربيعة بن صباح الكواري ، لقاء صحفي بعنوان ” عضو مجلس أمناء مؤسسة مينتور العالمية للوقاية من المخدّرات .. المفكرة الليبيـّة د.فريدة العلاقي” منشور بتاريخ  29/7/2011.
  • –  المحرر، مقال “نضال امرأة ” منشور بموقع مانشيت،بتاريخ 10 أبريل 2012.
  • – فتحية الجديدى ، لقاء صحفي  بعنوان ” الناشطة الحقوقية الليبية* د. فريدة العلاقي لفبراير لابد أن نقوم بثورة فكرية حقيقية ” ، منشور على موقع صحيفة فبراير الليبية ، بتاريخ 15 يونيو 2014

إيلانى ..كتاب يروى مأساة أم خلال الحرب الأهلية اليونانية

indexيتناول هذا الكتاب “إيلانى” قصة حقيقية حدثت أثناء ومابعد الحرب العالمية الثانية ،لأم يونانية ضحت بحياتها لانقاذ اطفالها من عبثية الحرب ، حيث يروى لنا “نيكولاس غاتزويانيس” مراسل النيويورك تايمزِ مأساة أمه “إيلاينى” . ففى أثناء الحرب الأهلية اليونانية مابين( 1946 – 1949 ) بين الجيش الحكومي اليوناني (المدعوم من الولايات المتحدة الامريكية و بريطانيا) وجيش اليونان الديمقراطي الجناح العسكري للحزب الشيوعي اليوناني (المدعوم من بلغاريا ويوغوسلافيا وألبانيا) التى اشتعلت بين الطرفين نتيجة لصراع الاستقطاب بين اليساريين واليمينيين الذي بدأ في عام 1943 ذلك بعد حصول فراغ فى السلطة نتيجة لدحر الاحتلال الألماني الإيطالي خلال الحرب العالمية الثانية عن الاراضى اليونانية .

اعُتقلت “إيلانى غاتزويانيس” فى العام 1948 بعد أن نجحت فى تهريب أطفالها الخمسة من قبضة المقاتلين اليونانيين من الشيوعيين ممن سيطروا على النواحى التى تقع فيها قرية “ليا” الجبلية التى تنتمى إليها إيلانى واسرتها ، وكانت تهمة إيلانى تهريب أبنائها فحُكم عليها بالاعدام بعد أن تعرضت لابشع أساليب التعذيب المعروفة أنذاك ، ثم أُطلق عليها النار أمام أهل قريتها بهدف بث الرعب والذعر فى قلوبهم لكى لايحذون حذوها فى عدم ارسال أطفالهم لمعسكرات الشيوعيين فى دول الستار الحديدى أى يوغسلافيا و بلغاريا بهدف تدريبهم وإعدادهم عقائديا يدينون بمبادىء الشيوعية .

تقول احد القرويات عن أخر لحظات الام “إيلانى” أنها سمعت صوت صرخة تجمدت أوصالها لهولها وكانت (ياأولادى) آخر كلمات “إيلانى”.

لقد حاول “نيكولا” من خلال كتابه استعادة سيرة والدته ومأساتها من خلال القيام برحلة الى موطنه الأم بقرية “ليا” الجبلية باحثا عن الحقيقة وكيف قضت والدته الايام والساعات الاخيرة ، وعن البحث على القاتل للقصاص منه.

في عمر التاسعة إنضم “نيكولاس غايج” لآبيه “خريستوس اليونانى ” المقيم فى ماساشوستس حيث يعمل فى التجارة ، و عاش نيكولا لسنوات طويلة تلاحقه ذكرى والدته وعذاباتها ومصيرها ، فقرر العودة للمرة الأولى الى اليونان فى زيارة فى العام 1963 ، ثم عاد ليحضر مأتم جدته “ميغالى” ، ليقرر بعدها فى العام 1977 أن يظل فى اثينا كمراسل لصحيفة (النيويورك تايمز) ، فى تلك الفترة قصد قريته “ليا” بضع مرات فوجدها قد تحولت الى أطلال بعد هجرة معظم سكانها منها ، وبقاء بضع مئات من المتقدمين فى السن ، فقرر “نيكولا” تحت دوافع عاطفية تعتمل فى إعماقه بوضع برامج لإعادة إحياء القرية من خلال تأسيس جمعية تقدم تبرعات سخية للقرية بهدف اقام مشاريع تجارية تساهم فى عودة شباب القرية للبقاء والعمل فيها بعد هجرتهم للمدن الكبيرة .

يقول نيكولا عن ذلك :” كنت أحاول على نحو غير واعى ، إقامة نصب لأمى لايستطيع أحد هدمها ، فالمشاريع التى سعيت إلى تحقيقها هى خير شاهد على حياة أمى وتعنيف لأولئك الذين خانوها فأخفقوا فى القضاء على إيلانى غاتزويانيس واولادها”.

كانت لدى “نيكولا” رغبة كبيرة فى معرفة مصير قتلة والدته ، وتجددت تلك الرغبة بعد معرفته ان احد المجرمين مات من غير أن تتاح له فرصة تعقبه ، و القاضى المتورط فى قضية والدته المدعو “كاتيس” لايزال على قيد الحياة ، وتزامن ذلك مع الترخيص للحزب الشيوعى فى اليوان عام 1974 ورفع الحظر عن جميع الجرائم التى ارتكبها مقاتليه فى سنوات الحرب الاهلية ، وعودتهم الى اليونان ليروو أخبار الحرب كما يشاؤون جاعلين من قادة الحركة الشيوعية أبطالا شعبيين ، فقرر التفرغ لقضيته الشخصية فقدم استقالته ، ثم حصل على مسدس هربه مع مقتنياته الشخصية التى أدخلها لليونان .

ويقول نيكولا :” كلما سألت أحد من الطلاب المتحمسون للحزب الشيوعى عن حملة جمع الأطفال وفصلهم عن أسرهم ، وحملات إعدام المدنيين والفظاعات الأخرى التى ارتكبها المقاتلين الشيوعيين خلال الحرب ، كان يهز رأسه ساخرا ً من جهلى ثم يشرح بثقة أن تلك الأمور لم تحصل ابدا”.

فقد سعى مقاتلى جيش اليونان الديمقراطى من خلال حملات منظمة ، محو ذكرى الافعال الشنيعة من ضمائر اليونانيين ، ولهذا عمل “نيكولا” على تدوين تلك السيرة ليس من أجله ومن أجل ذكرى والدته وباقى افراد اسرته ، إنما لتنوير الجيل اليونانى الذى تلا الحرب والذى لم تتسنى له معرفة كافة ملابساتها .

فأسفرت مساعى “نيكولا” عن التحقيق مع 400 شخص ، بينهم القرويين و الجنود الذين حاربوا مع الطرفين فى فترة الحرب الأهلية ، حيث أخذته التحريات فى طول اليونان وعرضها ، فضلا عن بريطانيا وكندا وبولونيا و المجر و تشيكوسلوفاكيا حيث تجمع لديه قطع المكونة لقصة والدته تتجمع قطعة قطعة .

يقول نيكولا عن لحظة انجازه لكتابه :”لقد عرفت أمى كما كانت حقا ً، بعيدا ً عن ذكريات الطفولية المحدودة ، فهى كانت امرأة ريفية عادية مليئة بالشكوك والمخاوف والمعتقدات التى غرستها فيها تربيتها ، ولكن ما إن رأت خطر الابادة يحيق بعائلتها حتى تكشف لها فى إعماق ذاتها رؤية واضحة لما تريد وقوة كافية لتحقيقه “.

بعد حصول “نيكولا” على كافة تفاصيل ماجرى فى تلك السنوات وماتأثيرها على حياة اسرته ، قرر البحث عن القاضى الثورى الذى حكم بالاعدام على والدته بتهمة رفض ارسال ابنائها لمعسكرات الشيوعيين ليتحولوا لمقاتلين فى صفوف الشيوعيين، فعرف بأن “كاتيس” موجود فى بلدة “كونيتسا” فسافر اليه حيث استطاع الوصول لعنوان بيته ،وقام بزيارته بصفته صحفى يحاول الحصول على معلومات حول ممارسات الجيش الديمقراطى الشعبى ، وماقام به هو شخصيا من محاكمات واعدامات لمدنيين ، وينكر “كاتيس” مشاركته فى تلك الجرائم ضد مدنيين ولكن نيكولا يواجهه بكل مايملك من معلومات فيطرده “كاتيس” من بيته ، فى اللحظة التى تسمع زوجته وابنته الشابة عما اقترفه من جرائم من “نيكولا” الذى اصُيب بهستيريا فأخذ يصرخ بصوت مرتفع فاضحا ً “كاتيس” أمام اسرته ، يقرر “نيكولا” عدم الاكتفاء بذلك ، إنما يرى ضرورة القصاص من قاتل وادلته عبر تنفيذ حكم بالموت عليه باطلاق النار من المسدس الذى يحمله ، فيتحين الفرصة عندما يجد “كاتيس” وحيدا فى بيته الصيفى فيدخل شاهرا ً مسدسه المحشو ويصوب على رأس قاتل امه ثم يقرر التراجع فى أخر لحظة ، ويقول نيكولا حول سبب تراجعه :” أعرف أن الخوف اوقفنى عن ذلك ، خوف الانسلاخ عن اولادى ، وفتح مسلسل الثأر جيلا بعد جيل ، ولكن دافعا ً أخر وهو فهم حقيقة أمى التى اكتسبته من امتحانى لحياتها ، أجل ففى كشفى عن جوانب تلك الحياة عرفت شيئا ً من كلماتها الأخيرة وهى على عتبة الموت ، فعندما أدخلت انجليكى بوتساريس لمواجهتها فى اليوم السابق لاعدامها ، لم تتكلم امى عن آلامها وعذابها ، بل قصرت الكلام على شوقها إلى معانقة أولادها مرة أخيرة ، وقد وجدت الجرأة لمواجهة الموت لأنها أدت واجبها تجاه من أحبت”.

يقدم لنا الكتاب إلى جانب حكاية الأم إيلانى، عرض لتاريخ الحرب الأهلية من وجهة نظر انسانية تتضمن تأثيرات مثل هذه الصراعات المدمرة على نسيج المجتمعات ، وعلى أرواح الناس، ويسرد لنا “نيكولا” الكثير من المعلومات حول العادات والتقاليد وافكار المجتمع اليونانى ، والممارسات والعقائد الدينية ، وأدوار النساء فى المجتمع اليونانى .

قراءة هذا الكتاب بصفحاته 480 أشبه بمعايشة تجربة مؤثرة ، ومؤلمة فى الوقت ذاته فالكاتب يستخدم أسلوب جميل وسلس فى سرد تفاصيل الحكاية ، رابطا التاريخ السياسى لليونان بالتاريخ الشخصى لاسرته وقريته الصغيرة ، وتأثير الحرب والصراعات السياسية على حياة الناس البسطاء ، وماتصيب ارواحهم من تشوهات نفسية ، وكيف يتحولون الى اعداء رغم انتمائهم لوطن واحد ، أثناء قرائتى للكتاب كنت اتوقف وافكر فى ماوقع من اقتتال بين ابناء الوطن الواحد فى بلدى ، وكيف نجح دكتاتور يحكم باسم إيديولوجيا عقيمة فى استعداء الاخوة وابناء العموم ضد بعضهم البعض، وماجرى ويجرى الآن من استقطاب حاد من دول خارجية بمساعدة من ضعفاء النفوس من أبناء هذا الوطن من أجل توسيع التمزقات فى جسد الوطن وتعميق الخلافات والصراعات التى تترك بآثار لن تمحى بسهولة من الذاكرة ، واتسائل هل سنقرأ كتب توثق تجارب الناس العاديين بمنتهى الصدق والدقة مع قدر من الحيادية لما حدث خلال شهور الثورة والحرب فى بلدى .الأم إيلانى و بناتها الاربع وابنها الوحيد نيكولا مع الجدة                                              الأم إيلانى و بناتها الاربع وابنها الوحيد نيكولا مع الجدة                                                                                                        بيت أسرة غاتزويانيس بقرية إلبا اليونانية                                                              بيت أسرة غاتزويانيس بقرية إلبا اليونانية

الجبال المحيطة بقرية إلبا فى شمال اليونان                                                  الجبال المحيطة بقرية إلبا فى شمال اليونان

حديقة بيت إيلانى فى قريتها الجبلية                                                                حديقة بيت إيلانى فى قريتها الجبلية                                

ذات صنع الله ..حكاية بنت ووطن ..

13323747تدور الرواية حول امرأة من الطبقة الوسطى المصرية تحمل اسم غير مألوف هو ذات ، ليصبح اسم للرواية نفسها ، حيث يصور صنع الله حياة ذات خلال عقد السبعينات والثمانينات من القرن الماضى ، فذات ولدت فى عهد عبدالناصر ، وعاشت شبابها وتزوجت فى عهد السادات وأصبحت امرأة ناضجة فى عهد مبارك ، ومن خلال استعراض حياة امرأة عادية ليس في شخصيتها شىء ملفت للانتباه ، تعيش حياتها الغارقة فى الملل والرتابة ، لتكون حكاية (ذات) هى حكاية غيرها من ملايين المصريين الذين عايشوا حقبة الانفتاح في عهد السادات ومن بعده مبارك،وما رافقها من تدهور للظروف المعيشية،وصعود للتعصب الديني.وتعرضهم للقمع والترهيب و النصب والاحتيال واستفحال الفساد على نحو مخيف ، و تحول بلادهم من قوة إقليمية مؤثرة بالمنطقة إلى مجرد بلد فاقد لاستقلاله يتسول الفتات من عدو الامس (الولايات المتحدة الامريكية) .

استخدم صنع الله إبراهيم في نصه الروائي مجموعة كبيرة من الاخبار المنشورة فى الصحف (الحكومية و المعارضة ) جاعلا منها تتقاطع مع مسار حياة (ذات) الموظفة فى ارشيف أحدى الصحف الحكومية ، هذه الحيلة الذكية ساعدت القارىء على التعرف على الجو العام الذى عاشته مصر فى تلك السنوات دون أن يثقل متن النص الروائى بتلك الأحداث العامة . 

وقد وضع الناشر تنويه على الغلاف الخلفى للرواية يوضح فيه أن الوقائع الواردة فى بعض الفصول والمنقولة عن الصحف المصرية الحكومية والمعارضة لم يقصد بإعادة نشرها تأكيد صحتها او العكس وإنما قصد به المؤلف أن يضع القارىء فى الجو العام الذى أحاط بمصائر شخصياته وأثر فى مسار حياتهم وقراراتهم .

استعمل الروائى أسلوب سلسا ً حتى ليجعل القارىء يشعر بأنه يشاهد فيلم منه لرواية ، وتحمل الكثير من المشاهد العبثية الطريفة كمحاولة (ذات) تصحيح بعض التصرفات من عنف جارهم الشنقيطى ضد زوجته سميحة ، أو الابلاغ عن علبة زيتون منتهية الصلاحية تحمل القارىء فى رحلة شاقة ومرهقة وطويلة فى أروقة مراكز الشرطة و مكاتب وزارة الصحة والمؤسسات الحكومية الاخرى لتنتهى تلك المحاولة الى الفشل والتوقف عن تكرار المحاولة المرهقة .

 صدرت رواية (ذات) للروائى المصرى صنع الله ابراهيم فى العام 1992 ،الرواية ممتعة وتستحق القراءة ، واسلوب صنع الله سلس وجذاب .

تحولت الرواية الى مسلسل عُرض فى شهر رمضان للعام 2013 حمل اسم “بنت اسمها ذات”من إخراج كاملة أبو ذكري وسيناريو وحوار مريم ناعوم، وبطولة :نيللى كريم ، وباسم سمرة ، أجرت كاتبة السيناريو تعديلا على احداث الرواية حيث جعلت المسلسل يغطى تاريخ مصر من 1952 حتى ثورة يناير 2011 ، فى حين توقفت الرواية  عند نهاية الثمانينات وبدايات التسعينات.

عشق الصباح بأنامل رافى شنكر أسطورة الموسيقى الصوفية الهندية..

MI0000950869موسيقى آلة السيتار* الهندية هي من الأنواع الموسيقية التي تلامس الوجدان وتحرك المشاعر بنعومة … تسمعها فتحس أنها تنقلك إلى مكان وزمان مختلف…فهى موسيقى ذات بعد صوفى ، تأملى ، ينعكس من خلال رنينها النغمى الهادىء…أول مرة سمعت فيها موسيقى رافى شنكر Ravi Shankar (1920- 2012) أسطورة السيتار الهندى كانت منذ سنوات فى صيف لندنى تحت سماء غائمة ، يومها حملتنى أنامل شنكر وهى تعزف آلة السيتار بعيدا عن هذا العالم ، بعيدا عن كل ماكنت فى حينها اقاوم الاستسلام امامه ..

يعتبر رافى شنكر واحد من أهم عازفى آلة السيتار الهندية فى العالم ولد فى العام 1920 وانحدر من عائلة موسيقيين معروفين فى الهند ،وتتلمذ على يد الموسيقار الهندي بابا علاء الدين خان احد مؤسسي الموسيقى الهندية الكلاسيكية، و قدم عرضه الاول فى العام 1939حيث لاقى نجاح كبير للأسلوبه المختلف آنذاك فى العزف على هذه الآلة التقليدية فموسيقاه رغم جذورها التقليدية، الا انها امتازت بروح التجديد والابتكار، مما جعل العروض تنهال عليه لكتابة موسيقى تصويرية  للافلام الوثائقية واغانى الاعمال الاستعراضية والافلام الهندية والعالمية، ولعل موسيقى فيلم غاندى اشهر اعماله فى السينما.

وقد أسهم شنكر في التعريف بآلته عالميا حيث كانت باريس اول محطات انطلاقته العالمية فى ثلاثينات القرن العشرين حيث قدم عروض موسيقية على آلته التقليدية بمصاحبة عازف الطبلة الهندي باديت شاتور لال .

كما استطاع شنكر تطوير قدرات آلته التقليدية من خلال احتكاكه بتجارب موسيقية مختلفة ومشاركته فى مشاريع  موسيقية عالمية مع عدد من مشاهير الموسيقيين من الشرق والغرب مثل عازف الفيولين الشهير الأمريكي اليهودي مناحين Menuhin الذي التقى مع شنكر في أحدى الحفلات الكبرى في قاعات البرت هول في لندن حيث عزفا سوناتا شهيرة أطلقا عليها اسم ” الشرق يقابل الغرب West meets east ، كما ساهمت جولاته فى اوربا والولايات المتحدة الامريكية فى فترة الستينات لانتشار موسيقاه بشكل اكبر ، جعلت فريق شهير كالبيتلز يدخل نغمات آلة السيتار ضمن أحد اغانيه نورفيجين وود (1967)، بالاضافة الى أداء رافى شنكر على آلة السيتاركونشيرتوا Raga mala مع اوركسترا لندن السمفوني  خلال عقد الثمانيات من القرن الفائت ، و مشاركة عازف الفلوت  الفرنسى جان بيار رمبال  Jean-Pierre Rampal  فى عزف مقطوعة تحمل اسم عشق الصباح  Morning love.

يكاد يكون رافى شنكر اكثر موسيقار هندى نال تكريما ً فى بلده و أنحاء العالم ، كما تحصل على العديد من الجوائز العالمية.

مقطوعة عشق الصباح  Morning loveمن خلالها يمكن أن نلاحظ اسلوب مختلف فى الاداء بين آلة السيتار التى تعتمد على الارتجال فى اوقات كثيرة ،بينما ينحدر عازف الفلوت هذا من تقليد أوروبي يتقيد بحرفية النص الموسيقي، هذه المقطوعة من بين اعمال شنكر المفضلة لدى إذ أحب سماعها مغمضة العينين ، تتسلل الموسيقى للزوايا العميقة من روحى ، فتثير شعور هو مزيج من الحنين والبهجة لأماكن ،وارواح ، وقيم تكاد تُنسى فى عالمنا المادى جداا..

* آلة السيتار وهي آلة وترية تقليدية يعود تاريخ ظهورها الى القرن السادس عشر ، تعود فى اصولها الى بلاد فارس قبل ان يرثها مغول الهند وتصبح احد آلات الاساسية فى موسيقاهم ، وتتكون من سبعة اوتار  الى جانب 13 وترا اضافيا غير ضرورية عند العزف و تستخدم غالبا عند الارتجال و هي شبيهة الشكل بالعود لكنها اكبر حجما و اطول عنقا و عادة يستخدم العازف ريشة معدنية يلبسها على ابهامه و مثل بقية الالآت في  التخت  الهندي يقعد العازف على الارض  متربعا ممسكا بآلته  و ذلك تقليد  لا يزال باقيا عند تقديم العروض الموسيقية او تسجيل المعزوفات .

المراجع:موقع الموسيقارhttp://www.ravishankar.org، وموسوعة الوكيبيديا.

السيدة حميدة العنيزي رائدة في تعليم البنات الليبيات

407991_10150663497925931_1270769561_nاجتمعت في عصر السيدة حميدة العنيزي عديد الصراعات السياسية والاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية ما جعله عصرا صعبا على الرجال قبل النساء، فالسيدة حميدة محمد طرخان المولودة في العام 1892م بمدينة بنغازي سافرت في بعثة دراسية من قبل الحكومة التركية آنذاك في العام 1911م إلى اسطنبول للدراسة في معهد المعلمات هناك، حيث نالت شهادة الراشدية، ثم نالت دبلوم المعلمات بتفوق، الأمر الذي دفع بإدارة المعهد الذي درست به لاختيارها لبعثة دراسية متقدمة بفرنسا، إلا أن والدها رفض هذه الفكرة أساساً، كما رفضت تعيين الحكومة التركية آنذاك لها كمعلمة بإحدى المدراس، وطلبت العودة إلى أرض الوطن خاصة مع استقرار الأوضاع بشكل نسبي، حاملة لمجتمعها المحافظ أفكارا تنويرية جديدة اعتنقتها خلال إقامتها بتركيا، التي شهدت تغييرات شملت نواحي الحياة آنذاك .

 وترجح عودة السيدة حميدة إلى بنغازي في العام 1915م بعد قضائها خمس سنوات باسطنبول. ولا نعرف الكثير عن دورها في الحياة العامة بمدينة بنغازي فى تلك الفترة لعدم توفر روايات عن تلك الفترة، وربما كانت تقضي وقتها في قراءة ما يتوفر من كتب باللغات التي أجادتها ومنها التركية والفرنسية واليونانية، ثم الإيطالية التي انهمكت في تعلمها، بالإضافة لتحسين لغتها العربية على يد رجل دين .

وعندما أخذت أحوال سكان بنغازي في التحسن نسبياً في السنوات التي أعقبت معاهدة أوشي لوزان فوجئ الناس بحدوث كارثة كبيرة هزت أعماقهم، وهي ظهور وباء الطاعون بكل معقباته منذ بداية العام 1914م ثم انحساره، وعودته للظهور مجدداً عامي 1917 و 1922م، ويذكر بعض المعمرين الذين عايشوا تلك الفترة أن الإصابات والوفيات كانت كبيرة، وقد دفع الفقر والضيق والمرض واستبداد العدو بالسكان ليزيد ترابطهم وعطفهم على بعضهم البعض.

وقد ترك المرض أيتاما من البنات والأولاد بدون أسرهم، مما دفع السلطات الحاكمة آنذاك لجمع البنات اليتامى ووضعهن في بيت بشارع الكوافي، وأوكل للآنسة حميدة طرخان العنيزي بالإشراف عليهن حسب رواية السيد عمران المصري. وتذكر السيدة أمينة بن عامر في كتابها عن السيدة حميدة قيامها بتعليم البنات تطوعاً في بيتها في الأعوام 1917 و 1918م. والأرجح هو قيامها بالإشراف على بيت البنات اليتامى لمشاعرها الفياضة، وتفاعلها مع الناس وإحساسها بمعاناتهم، ففي تلك الظروف الصعبة من وباء يحصد الأرواح وجفاف يضرب البلاد وموجات جراد تتلف المحاصيل، كان تعليم البنات آخر همَ الليبيين، ولكفاءتها وائتمارها بحوافز الضمير الحي وتقديس الواجب، فقد شغلت مكانة مرموقة في قلوب الناس. مما أهلها فيما بعد للعب دور مؤثر في التعليم بالمدينة.

ربما استمرت في تقديم رعايتها لبنات اليتامى حتى عام 1920م حيث تزوجت من السيد عبد الجليل العنيزي، وهو ضابط ليبي سابق في الجيش التركي، والذي ستحمل لقب أسرته حتى وفاتها. وبتشجيع من زوجها المثقف المستنير قياساً على عصره وافقت على افتتاح أول مدرسة ابتدائية للبنات بناءً على طلب السلطات آنذاك من قريب زوجها السيد عثمان العنيزي فقامت بذلك العمل الصعب في وقت سادت فيه مفهوم العقلية المتخلفة لدى الرجل الليبي في نظرته إلى المرأة، فهي أقرب لأن تكون من الحريم والجواري تقبع خلف الجدران مسلوبة الإرادة ممنوعة من الخروج، إذ سلبتها التقاليد كل إنسانيتها وحقوقها الصريحة التي أثبتها لها الدين الاسلامي . 

وفي تصريح لها في تلك المرحلة الصعبة في مقابلة معها بإحدى المجلات تقول:”.. كان مجرد إقدامي على العمل وقتذاك هو في حد ذاته نضال، إذ واجهتني صعوبات وصعوبات، منها التقاليد، والاستعمار، وقد حوكمت من أجل هذه الرسالة بتهمة أنني أعلم البنات في بيتي. ومن هنا يظهر مدى الكبت والضغط والظلم الذي كنا نعانيه من المستعمر. تصوري أن التعليم كان يعتبر في نظرهم جريمة يحاكم عليها..”.

كما تشير لدور زوجها في ذلك:”.. وبالرغم من هذا واصلت رسالتي، وقد وجدت التشجيع من زوجي الذي استطاع أن يقنع والدي في أن يسمح لي بالعمل، ولازلت أتذكر أول فوج من بناتي اللاتي درستهن وهن كريمات الساقزلي”.

كان المقر بمدرسة البنات للتعليم والعمل بشارع عثمان بحيح، واحتوى برنامج الدراسة على مدة خمس سنوات، ففي السنة الأولى كانت ذات طبيعة إعدادية، وباقي السنوات عادية، متضمنة موادا دراسية كالآتي: القرآن والدين والاخلاق، اللغة العربية واللغة الايطالية والحساب، دراسات عامة مثل التاريخ والجغرافيا والاقتصاد المنزلي والصحة والتدبير.

 ويشير بيكيولي بأن تدريس هذا البرنامج قد أنيط باثنين من المدرسات العربيات الجيدات حميدة العنيزي، والسيدة بديعة فليفله. ووصل عدد التلميذات بهذه المدرسة لحوالي 48 تلميذة. ولأن السلطات الايطالية في ذلك الوقت لم يكن في نيتها التخلي عن هدفها المفضل في التغلغل الثقافي وسط المجتمع الليبي، لذا لم تكن عملية التعليم بالعملية السهلة وقتها بالنسبة للسيدة حميدة، فالمدرسات الايطاليات كن يتربصن بها خوفاً من مواقفها القوية، فإخلاصها دفعها للتركيز على تدريس اللغة العربية، بل وتهريب كتاب المطالعة الرشيدة الذي يأتي من مصر لتطالعه التلميذات في بيوتهن .

لعل أبرز من تخرج من مدرستها في تلك الفترة كانت الآنسة خديجة الجهمي عام 1936م مع مجموعة بنات كن النواة لتأسيس نهضة تعليمية نسائية، فإنخرط أغلبهن في مجال التدريس فيما بعد، منهن السيدة حميدة بن عامر، والسيدة فاطمة بن غلبون، والسيدة فريحة طرخان، والسيدة نورية الأزرق. كما كان من المتخرجات من المدرسة نواة أولى لممرضات ليبيات ومن بينهن إبنتي أخيها.

وبتطور الحياة الطبيعية ما بين أعوام 1923 و 1929م حافظت الأسر الليبية على أسلوب حياتها وعاداتها وتقاليدها، إذ ظلت القيود على تعليم الفتاة تثقل كاهلها وتحد من انطلاقتها، مما دفع بالسيدة حميدة العنيزي لاعتناق قلمها، والمساهمة في تنوير مجتمعها بأهمية تعليم البنات من خلال الكتابة في مجلة ليبيا المصورة، بل وتشجيع تلميذاتها على الكتابة عبر صفحاتها.

وتقول السيدة حميدة عن تلك المرحلة: “كان كل همي أن أرى التعليم ينتشر بين الليبيات، ولقد عملت كل ما في وسعي لتشجيع هذه الحركة”.

فقد كتبت على صفحات مجلة ليبيا المصورة تخاطب أولئك الاباء: “..وأنتم أيها الآباء أناشدكم الله أن تتدبروا في مستقبلهم بناتكم، فلا تكونوا من المتعصبين الذين يحولون دون تعليم بناتهم فيقضون بحرمانهم من أهم أسباب الحياة. ومن الحقائق المسلمة الآن أن المرأة هي المدرسة الأولى لأفراد النوع الانساني، وفي هذه المدرسة يأخذون المبادئ التي لا يمحى أثرها طول الحياة. فإذا كانت المرأة متعلمة فلا شك أنها ستربي أولادها تربية حسنة، وتبث روح الفضيلة في نفوسهم فيصيرون في المستقبل رجالاً يرجى منهم الخير. أما إذا كانت غير متعلمة بما تسترشد به في أداء هذا الواجب الذي وضعتها فيه مقتضيات الطبيعة، فكيف يمكنها أن تربي أولادها تربية نافعة وتنجب أفراداً يرفعون مقام أمتهم ويعلون شأنها بين الأمم”.

ويتردد صدى أفكار السيدة حميدة في نفوس الليبيات، فنجد إحدى قارئات المجلة تبدي إعجابها بكتابات السيدة حميدة فتقول: “.. لا يسعني إلا أن أبدي اعجابي وتقديري للمربية الفاضلة السيدة حميدة العنيزي لما حواه مقالها القيم من الآراء الصائبة والنصائح العالية المفيدة..”.

* هذه المقالة جزء من بحث موسع عن السيدة حميدة العنيزي، ودورها في الحياة العامة في ليبيا منذ عودتها من تركيا حتى وفاتها في العام 1981م، وتزامن وقت النشر مع ذكرى وفاتها في شهر أغسطس، وذلك إبقاءً لذكراها العطرة حية في نفوس الليبيين، منشورة سابقا ً على موقع جيل بقسم رواق التاريخ عام 2007.

مراجع:

– أمينة بن عامر، المرأة الليبية:إبداع وإشعاع: حميدة العنيزي .

– احمد القلال ، سنوات الحرب وادارة العسكرية البريطانية فى برقة .

-إبراهيم المهدوى ، حكاية مدينتى بنغازى”دراسة وثائقية”.

-وهبى البورى ، مجتمع بنغازى فى النصف الاول من القرن العشرين.

– مجلة ليبيا المصورة ،1936.

– مقابلات شفهية (عام 2006 ) مع السيدة نجاة طرخان ، السيد عمران المصرى الجلالى، السيدة حميدة البرانى.